أبو نصر الفارابي
88
احصاء العلوم
يكون ما تفيده الملل من العلوم ما ليس في طاقة عقولنا إدراكه « 1 » ، ثم ليس هذا فقط بل وما تستنكره عقولنا أيضا ، فإنه ليس كل ما كان أشد استنكارا عندنا كان أبلغ في أن يكون أكثر فوائد ، وذلك أن التي يأتي بها الملك مما تستنكره العقول وتستبشعه الأوهام ليست هي بالحقيقة منكرة ولا محالة ، بل هي صحيحة في العقول الإلهية . فإن الإنسان وإن بلغ نهاية الكمال في الإنسانية فإن منزلته عند ذوي العقول الإلهية منزلة الصبي والحدث والغمر « 2 » عند الإنسان الكامل . وكما أن كثيرا من الصبيان والأغمار يستنكرون بعقولهم أشياء كثيرة مما ليست في الحقيقة منكرة ولا غير ممكنة ويقع لهؤلاء أنها غير ممكنة ، فكذلك منزلة من هو في نهاية كمال العقل الإنسي عند العقول الإلهية . وكما أن الإنسان من قبل أن يتأدب ويتحنك يستنكر أشياء كثيرة ويستبشعها ويخيل إليه فيها أنها محالة ، فإذا تأدب بالعلوم واحتنك بالتجارب زالت عنه تلك الظنون فيها ، وانقلبت الأشياء التي كانت عنده محالة فصارت هي الواجبة وصار عنده ما كان يتعجب منه قديما في حد ما يتعجب من ضده ، كذلك الإنسان الكامل الإنسانية لا يمتنع
--> ( 1 ) يحاول الفارابي أن يوضح المبادي التي يقوم عليها علم الكلام . والمبدأ الأول يقول إن الكتب الدينية تتضمن آراء منزلة من قبل الله ولا تستطيع عقول البشر إدراكها أو الوصول إليها بنفسها ، ومن ثم مست الحاجة للأنبياء . ( 2 ) الغمر : الرجل الذي لم تحنكه التجارب وتكون معرفته محدودة .